"خطوط عسكرية" بمحطات طرابلس ومسدسات بيد الصرّافين

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"خطوط عسكرية" بمحطات طرابلس ومسدسات بيد الصرّافين, اليوم الاثنين 13 سبتمبر 2021 12:06 مساءً

تبدو طرابلس كعاصمة شمالية تعيش حدادًا مفتوحًا. منذ أسابيع وحتى أشهر عدّة، ثمّة أشياء كثيرة تغيّرت في المدينة، أو ربما أن المدينة تخلت عن تلك الأشياء، لتبدو قليلة الحياة، وكثيرة الفوضى.  

فنون السوق السوداء  
نبدأ من أصحاب السلطة المطلقة، لأهداف غامضة، وتثير الريبة، أمنيًا وسياسيًا وميدانيًا. عدد محدود من محطات الوقود، في طرابلس ومحيطها، معروفة الهوية، تحولت إلى ما يشبه المربعات الأمنية، "يحرسها" عناصر أمنيون، و"مدنيون" أيضًا، بحجة تسيير شؤون المواطنين.  

لكن من تُسيّر شؤونهم، ليس المواطنين العاديين، طالما أن الأزمة أفرزت طبقات جديدة لمفهوم المواطنة.  

فأولئك العاديون، وتحديدًا من غير المقتدرين على شراء غالون بنزين بأكثر من 200 ألف ليرة، وفق أمزجة تجار السوق السوداء، يقفون بالطابور عند تلك المحطات المحدودة التي تفتح أبوابها، وينتظرون لأكثر من 6 ساعات، يكدّهم العرق واليأس والتعب، وغالبًا ما يعودوا  خائبين.
"هذه المحطات، هي قائدة السوق السوداء"، وفق تعبير أحد المواطنين من خبراء أحوال المحطات، ونقله بلطافة لغوية.  

وواقع الحال، ما يعرف بـ"الخطوط العسكرية" عند المحطات، لم يعد خافيًا على أحد، من المواطنين، والأجهزة الأمنية المولجة بـ"تسيير شؤون المواطنين". لكن العبور بأقل كلفة وقت ممكنة لتعبئة البنزين، تجاوز مفهوم "الخطّ العسكري" للمحظيين والمدعومين، إلى ظواهر جديدة: كشراء مكان سيارة على مسافة قريبة من خراطيم البنزين مقابل قدرٍ من المال، يبدأ بـ100 ألف ليرة. "برطلة" بعض عاملي المحطات بما لا يقل عن 100 ألف ليرة أيضًا مقابل "تفويل" السيارة. 

وهنا، يقول بعض المواطنين: "كنّا بـ20 ألف ليرة نحظى بالتفويلة، الآن حين نعرضها ينظر إلينا حامل خرطوم البنزين غاضبًا مشمئزًا ويمشي". في المقابل، ينشغل عاملون آخرون، بتوصية من أرباب عملهم، بتسيير شؤون قادة السوق السوداء، ويحفظون حصتهم "المشرعة" من مئات غالونات البنزين. 

وفي الخارج، يتنافس أصحاب الغالونات على بيعها، وهي مخزنة بمستودعات ومخابئ في الأحياء الشعبية، أو داخل بعض المراكز المحصنة، وينقسمون إلى فئات، بين من يبيعون غالونات مغشوشة، وأخرى مدموجة بحد أدنى من الغش، وتلك الغالونات "النظيفة" التي يتفاخر أصحابها بجودتها، وأنها "طازج" من محطة فلان الشهيرة، وتكون صاحبة السعر الأعلى.  

نماذج الابتزاز والاحتكار  
وأمام هذه العينة البسيطة والمعاشة يوميًا، تنشط السوق السوداء لمواد أساسية أخرى تشحّ من الأسواق، ومنها الدواء، أو توفير قارورات الغاز المنزلي بأسعار باهظة تناهز أحيانًا 200 ألف ليرة، لأن الحصول عليها بطريقة شرعية من قبل شركات الغاز، يستوجب انتظار طالبيها لأيام قبل أن يأتي دورهم المسجل على "الليستا".  

ومع بداية شهر أيلول، يبدو أن أصحاب المولدات الخاصة للكهرباء، قرروا انتهاج طريق السوق السوداء علنًا في طرابلس وجوارها، من دون حسيب ورقيب.  

وبعد أسابيع من التقنين القاسي لساعات التغذية، دقوا منازل آلاف المواطنين طلبًا لتسديد فاتورة شهر أيلول سلفًا. وبحجة شح مادة المازوت ورفع الدعم نسبة إضافية عن استيراده، خضعت عملية التسعير لمنطق الفوضى وابتزاز المواطنين. بعضهم سعّر كل أمبير بـ100 ألف ليرة، وبعضهم طالب بـ650 ألفاً مقابل 5 أمبير، وآخرون بـ800 ألف، ليبلغ تسعير مولدات أخرى مليون ليرة لكل 5 أمبير، و"من لم يعجبه فليرحل ويقطع إمدادات المولّد"، وفق قول البعض.  

بؤس وفراغ  
وما دون ذلك، تعيش طرابلس وجوارها أيامًا بائسة. شوارع شبه فارغ من المارة. معظم الصيدليات مغلقة. المحال التجارية في الأسواق وعند ساحة التل ومتفرعاتها تغلق قبل غروب الشمس، لدواعي أمنية وليس بسبب غياب الزبائن فحسب. بعض المتاجر الغذائية ومحال الصيرفة يحرسها من يضعون خفيةً مسدسات على خاصرتهم خوفًا من عمليات السلب.  

أمّا مئات الدرجات النارية، ومن سبق أن وُصفوا بـ"خفافيش الليل"، فيصولون ويجولون بظلام المدينة ليلًا، ويخرقه بين حين وآخر المفرقعات وإطلاق الرصاص.  

"فلوكلور" السياسة والأمن
ووسط هذا المشهد، خرج قبل يومين نواب طرابلس باجتماع مفاجئ داخل مكتب رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي في بيروت، انضم إليه كل من النواب نقولا نحاس وعلي درويش وسمير الجسر ومحمد عبد اللطيف كبارة وفيصل كرامي، تحت شعار متابعة شؤون المدينة والدعوة لتحقيق الأمن في طرابلس ورفع ساعات التغذية الكهربائية.  

وطبعًا، أعلن المجتمعون توصيات بائسة يتطلب تطبيقها إجراءات جراحية من نوع آخر، كفضح المحتكرين والمهربين والمتواطئين، والسعي الجاد لرفع الغطاء الأمني والسياسي عن كل المصائب التي تحل بالمدينة.  

وانعاشًا للذاكرة، يسترجع هذا الاجتماع اجتماعات أخرى، لم تجلب للمدينة خيرًا ولا حلًا، ولعل أشهرها عام 2018، حين اجتمع النواب وتضافروا، توفيرًا لغطاء إقرار مشروع مطمر نفايات جديد، اقترحته حينها الحكومة ومجلس الإنماء والإعمار، وسرعان ما تحول إلى جبل جديد للنفايات، عبر تلزيمه لشركة باتكو التي لم تجلب للمدينة سوى الصفقات المشبوهة والسموم البيئية.  

وعلى الهامش، كان يمكن مثلًا لنواب طرابلس، ومن بينهم زملاء وحلفاء لنواب عكار، أن يجتمعوا بداعي الطوارئ لرفع الغطاء السياسي والأمني (إن أرادوا) عن نواب تحوم الشبهات حول تورطهم بعمليات تهريب المحروقات إلى سوريا، واحتكارها كنوع من المال الانتخابي، وتخزينها بطرق غير آمنة، تسببت بمقتل نحو 33 مدنيًا وعسكريًا بانفجار صهريج المحروقات في بلدة التليل العكارية.  

وفي مشهدٍ أمني آخر، لإيهام المواطنين بصناعة الحلول، ترأس محافظ لبنان الشمالي القاضي رمزي نهرا، الخميس 2 أيلول، اجتماعاً لمجلس الأمن الفرعي في الشمال، حضره رؤساء بلدية وقادة أجهزة أمنية، وخرجوا بتوصيات عدة، من بينها: التشدد بالإجراءات الأمنية وإقامة الحواجز الثابتة والمتنقلة في المناطق الشمالية كافة، إلزام أصحاب المحطات فتحها ابتداءً من الساعة العاشرة صباحًا ولغاية الخامسة عصرًا، وإلتزام السعر الرسمي مع سقف لتعبئة خزانات السيارات بـ200 ألف ليرة لبنانية كحد أقصى، منع سير الدراجات النارية بتاتاً في المدينة ومحيطها، ابتداء من الساعة العاشرة مساء ولغاية الساعة السادسة صباحًا، منع توقيف السيارات ليلًا أمام محطات الوقود، وتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين.  

أمّا العبرة، فتبقى بالتنفيذ، في محافظة شمالية تلاشى أمنها إلى الحدود الدنيا، وتحكمها الفوضى، بتواطؤ وشراكة مباشرة وغير مباشرة بين جميع المستفيدين من تلك الشبكات الناشئة حديثًا، ماديًا وسلطويًا.  

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق