الاستثمار السعودي في صناعة المعارض والمؤتمرات.. ريادة وحكمة ونجاحات

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صناعة المعارض والفعاليات لم تعد مجرد قطاع موازٍ للمشهد الاقتصادي عامة والتجاري على وجه الخصوص، بل صار نقطة مركزية في التحول والنماء والتطور الذي يشهد به القاصي والداني، فعلاً لقد تحوّل إلى موطن خصب للاستهداف التسويقي والإنتاجي الموجه، مستهدفاً مختلف الشرائح ذات الصلة في سياق تعزيز الدور المهم للمنتجات والخدمات المستحدثة والمطورة. وازداد نسقها بسرعة مكوكية إطلاق رؤية 2030، لتصبح صناعة فعالة وقوية وتحمل في طياتها استثمارات وفرصاً لدعم الناتج المحلي السعودي، حيث تشمل هذه الصناعة أساس وتكامل العلاقة بين مقدمي الخدمة والمستفيدين منها والوسائط المتحكمة في نجاح هذه العلاقة كمقدمي الخدمات اللوجستية وغيرها، مما جعلها تتمتع بديناميكيات جذابة، وتلعب الفعاليات دورًا مهمًا في تحسين الثقافة الاقتصادية وعوامل جذب للمدن وترويج لهويات البلاد في سياق تنافسية كونية البقاء فيها للأصلح.

الاستثمار في المعارض والمؤتمرات يشهد في الآونة الأخيرة نمواً متزايداً نتيجة التطور الصناعي الذي يستدعي عمليات الطلب لكثير من معطيات وممكنات هذا القطاع، ويجعله في ازدهار مستمر في الفترة المقبلة. وعلى مدى السنوات الماضية وتحديداً منذ إطلاق برامج التحول الوطني حصل القطاع على أهمية متزايدة نتيجة لعوامل متقاطعة، أولها: التطور السريع للسياحة وقدرة الفعاليات على جذب السياح، وثانيها: قدرة الفعاليات على خلق فوائد اقتصادية، وثالثها: زيادة مشاركة الحكومة ودعمها للفعاليات، رابعها: وعي الحكومة المتزايد بالآثار الاقتصادية الإيجابية لصناعة الفعاليات وهو من ضمن الاتجاهات الرئيسية في صناعة الفعاليات، وخامسها: الاستثمار المتزايد في الصناعة من خلال عقد المؤتمرات السنوية الداعمة لبعض الصناعات.

وعلى الرغم من هذه النجاحات فإن آفاق النمو والتطور والازدهار في هذا القطاع ما زالت متاحة، والأبواب تبقى مشرعة أمام المبدعين في مزيد التطوير وصناعة محتوى مشهد معارضي أكثر ألقاً، خاصة بعد النجاحات التي لعبت فيه هيئة الترفيه خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في قطاع صناعة الترفيه واستقطاب أهم الفعاليات الترفيهية والمستثمرين فيها، وأثرها على الناتج المحلي، وتعزيز الدور الثقافي للمملكة في ظل قيادتها الرشيدة، حيث إن مستهدفاتها وأدواتها تنبثق من الرؤية الاستراتيجية 2030.

كما أنه لا بد من الإشارة إلى أن التحولات الهيكلية في القطاع كان لها الدور الكبير والمهم جداً في هذا التحول والنقلة الجذرية، حيث تم إنشاء الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات لتنظيم القطاع وتفعيل الدور الاستراتيجي إقليمياً وعالمياً للمملكة العربية السعودية، لما لها من تأثير اقتصادي وسياسي لجذب أكبر المعارض والأحداث في الصناعة، فالمشهد المعارضي ساهم في تعزيز البعد التنموي للمدن ونموها المتصاعد خلال خمس سنوات ماضية، حيث تحولت مدينة الرياض إلى عاصمة كونية في المجال إذ تستحوذ على الحصة الكبرى عربياً في استضافة العديد من المعارض والمؤتمرات التي قد لا تستطيع غيرها منافستها، وهنا نعني بعض العواصم الإقليمية وحتى العالمية بعض المدن إقليمياً لعدة اعتبارات سابقة، قد حالت لاستضافة أحداث دولية عالمية يكون لها الصدى الواسع في المنطقة.

وكان لهيئة المعارض دور مهم في تعزيز هذا المجال، فما كان على شركات التنظيم المحلية وراود الصناعة في الملكة ومختلف المتدخلين الإسهام في نحت الثقافة الجديدة وتغيير المفهوم السائد إلى مفهوم أوسع وأكثر استثماراً ونمواً في المجال، علماً بأن دور الهيئة لا يتوقف على تفعيل دور هذه الشركات، وإنما مشاركة هذه الشركات ودعمها بما يتيحه لها المجال والاختصاص والإصلاحات والاجتهادات البناءة.

مشهد المعارض الذي تأثر بالأحداث العالمية لعل أهمها كورونا والآثار الاقتصادية والاستثمارية الناتجة عنها، إلا أنه يعد القطاع الأول الذي فتح به العالم أبواب ما بعد كورونا لتحرر التجمعات بعد فترات الحجر الصحي.

وهناك بعض الأمثلة لبعض الدول ركزت على القطاع وغيّرت من سياساتها هذا النشاط وتطويره اقتصادياً مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وفرنسا وألمانيا ومن الأمثلة القريبة منا دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً مدينة دبي، حيث أصبحت الحكومات تدعم استقطاب كبرى الأحداث، وليس شرطاً أن يكون كل الدعم مادياً، بل قد يكون معنوياً ولوجستياً لتسهيل دخول هذه الأحداث بكل سهولة إليهم، وقد يكون علامة تجارية لبعض الدول في بعض القطاعات مثل معرض ايمكس بألمانيا ومعرض السياحة بلندن ومعرض جايتكس بدبي.

ولو نظرنا إلى الجانب الاقتصادي لمعرض واحد لوجدنا الجميع يشترك في تقديم الخدمات ذات المردود الاقتصادي العالي من وسائل نقل وأماكن اقامة ومطاعم ووظائف مؤقتة، ناهيك عن الإيرادات الحكومية والضريبية.

وقد يصل معدل إنفاق سائح الأعمال الواحد إلى ثلاثمائة ريال لليوم الواحد. كما أن مثل هذه المعارض العالمية يساعد الحكومات على التنبؤ بالتحولات في الدخل والعمالة والناتج بسبب التحول في العمل الاقتصادي.

ويتعين على الجهات الحكومية المختصة أن تواصل الاضطلاع بدور استيرادي في توفير الموارد والتنسيق، وأن تواصل استكشاف فرص اجتذاب المعارض والفعاليات.

ومن الواضح أن هذه الجهات بحاجة إلى إضافة الاستثمار في المعارض من خلال بناء صندوق لتمكين القدرة على الاستجابة للفرص الأولية التي تؤدي إلى فوائد اقتصادية كبيرة، والمساعدة في توليد أحداث جديدة، بالإضافة إلى ذلك، تطلب الجهات بعمل سياسات لتوجيه قراراتها حول ما هو دورها وأولوياتها لأحداث الدعم وتسخيره.

وتحتاج كذلك إلى تحسين القدرة في الاستراتيجيات والجداول التنظيمية المستقبلية ووضع سياسات للمعارض والأحداث الناجحة للمجتمع المحلي.

ومع ذلك، فمن الواضح أن هناك حاجة إلى اتصالات متطورة للغاية في جميع أنحاء حكومات العالم والمنطقة.

وتفعيل قنوات اتصال إلكترونية مدعمة من الشركات المتخصصة، والتي برز نجاحها في مكافحة جائحة كورونا وتبنتها وزارة الصحة، ممثلة بشركة علم التقنية، بحيث يستطيع من يريد الاستثمار في الصناعة داخل المملكة من التسجيل بشكل مرن وسهل ويكون مربوطاً مع الجهات ذات العلاقة.

فالصناعة شكلت نمواً متسرعاً، حيث بلغت عوائدها 10 مليارات في العام 2016 حيث شكلت قرابة 20 مليون ريال عوائد التراخيص، فنمو الصناعة في تزايد مطرد، ناهيك عن عام 2020 سجلت معارض الحكومية عوائد تقدر بـ7 مليارات ريال، ولكن هذا الرقم اصطدم بالجائحة وإلا كان تجاوز 15 مليار ريال بناءً على المعطيات والمعارض المرخصة، ولعلنا نعرج قليلاً على لغة الأرقام في هذه الصناعة لكي نستوعب الدور المهم لها وأهميتها في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 وإيراداتها في العالم سنوياً 1.6 تريليون دولار أمريكي بما مجموعها 3 ملايين عارض و260 مليون سائح أعمال، فهذا يعطينا بعداً من أبعاد الرؤية بأهمية تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على مصدر واحد. من ذلك الانفتاح على الأسواق العالمية، ومعرفة المتغيرات التقنية، وحاجات المستهلك وميوله، ومساعدة الجهات المعنية بعمل دراسات وأطروحات ذات أبعاد اقتصادية استثمارية.

ولو نعرج على بعض الحلول والمقترحات في الصناعة بحكم الاختصاص حتى تصبح الحركة أسرع، والنمو أكثر اطراداً، خاصة بالنسبة للمستثمر الذي يحتاج لإعادة صياغة مفاهيمه، وفق معطيات المرحلة وتوجهات القيادة الرشيدة في بناء اقتصاد قوي منافس وذي جودة عالية، ونرى ذلك يكون كما يلي:

أولاً: الاندماج بين الشركات المتخصصة والمؤهلة ولديها قدرة مالية لاستهداف جذب معارض عالمية لتكون في المملكة العربية السعودية.

ثانياً: فتح مكاتب إقليمية في الدول الغنية بالمعارض لترويج السوق السعودي لديها ومحاولة جذبها.

ثالثاً: استحداث مكتب في مطارات المملكة يحتوي على وسائل ترويجية وإعلامية للمعارض بالمملكة.

رابعاً: خط ساخن على مدار 24 ساعة للإجابة عن جميع الاستفسارات.

خامساً الاستفادة من الخدمات الحكومية في إصدار التراخيص بحيث لا يتجاوز إصداره ساعة.

سادساً: لقاء سنوي لصناع القرار في الدول المستهدفة في مدينة الرياض ودعوتهم وعرض الفرص الاستثمارية بالمملكة.

سابعاً: أهمية الاستثمار الحكومي في البنية التحتية لقطاع المعارض والمؤتمرات من خلال إنشاء مراكز متعددة في المدن الكبرى بالمملكة.

ثامناً: الارتقاء بالخدمات وتطويرها من بشكل متواصل وفعال من وسائل النقل حتى القطاع الفندقي.

تاسعاً: فتح مكاتب في المملكة للجمعيات والهيئات المتخصصة في القطاع لإجبارهم على استضافة لقاءاتهم بالمملكة.

عاشراً: فرض دورات تدريبية لمن يريد استخراج سجل تجاري في المجال، وتكون هذه الدورات لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين.

والمقترح الحادي عشر أخيراً فرض بما لا يقل عن استضافة معرضين من قبل جمعيات المعارض المحلية، وتكون مؤشرات أداء عليهم ولا يمنع من دعمهم مادياً ومعنوياً.

وختاماً، استطاعت الجهود الحكومية والغرف التجارية أن تنحت مشهد معارض غايةً في الرقي، قادراً على المزيد من النماء، باستقطاب أكبر المعارض العالمية في سياق تتقاطع كل الجهود من سياحة معارض ومؤتمرات ومن صناعة متقدمة تقدم نفسها للعالم من خلال المعارض ومن ثقافة ترفيهية، قادرين على تحويل المشهد إلى جمالية أخاذة تراعي الهوية الوطنية، وتؤسس لأحلام تليق بجهود المملكة قيادة ومواطنين.

** **

- سلمان بن سهيل العطاوي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق