لبنان و"الانفتاح" على الأسد: أوهام "المنتصرين" منذ هدية ساركوزي

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان و"الانفتاح" على الأسد: أوهام "المنتصرين" منذ هدية ساركوزي, اليوم الاثنين 13 سبتمبر 2021 12:06 مساءً

مقاربة الانفتاح على نظام بشار الأسد، ستبقى ملتبسة، ما لم تؤخذ في الحسبان تجربة الانفتاح في عهد الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، عام 2008، والدروس المستخلصة منها.

بعد سياسة تصادمية مع دمشق، أجبرتها على الانسحاب من لبنان عقب جريمة اغتيال رفيق الحريري عام 2005، بادرت فرنسا إلى الانفتاح على سوريا. تجسد ذلك بدعوة الأسد للمشاركة في افتتاح المؤتمر التأسيسي لمنظمة إقليمية ولدت ميتة، هي "الاتحاد من أجل المتوسط"، في 13 تموز 2008، ثم لحضور العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في 14 تموز، على جادة الشانزيليزيه. وأتت الالتفاتة الفرنسية الإيجابية بعد أحداث أيار الدامية في بيروت والجبل وبعد اتفاق الدوحة. وكذلك بعد مشاركة سوريا في مؤتمر أنابوليس للسلام في الشرق الأوسط في 27 تشرين الثاني 2007، بدعوة أميركية، في عهد جورج بوش الإبن.

انفتاح مشروط
دلّ كل ذلك على أن الغرب مستعد للانفتاح على هذا النظام، لكن بشروط. آنذاك، لم تُفتَح أبواب باريس للأسد من دون مقابل. أحد الأثمان المهمة التي دفعها، تمثّل في الاعتراف الدبلوماسي السوري بلبنان، تطبيقاً للقرار 1680، الصادر في 17 أيار 2006. ينص هذا القرار على ترسيم الحدود نهائياً بين البلدين و"إقامة علاقات وتمثيل دبلوماسي كاملين" بينهما. شكّل ذلك مكسباً رمزياً للبنان، على الرغم من عدم ترسيم الحدود بعد، ومن الطابع الصُوَرِي لهذه العلاقات الدبلوماسية.

معضلة النظام السوري
لكن سياسة الانفتاح لم تتحول إلى تطبيع دائم مع النظام السوري. ولم يتمكن هذا النظام من الاستفادة غير المحدودة من هذا الانفتاح الغربي. طبيعة النظام نفسها لا تسمح بتوفير شروط تطوير هذا الانفتاح باتجاه التطبيع الكامل. فهو إنْ أقدم على تطبيق إصلاحات ديموقراطية سيمهد لنهايته. وإنْ بقي من دون إصلاحات، لن يحصل من الغرب على تعاون وانفتاح كاملين.

هذه المعضلة كانت قائمة قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011. ومع هذا الحدث التاريخي الكبير، زاد وضع النظام تعقيداً. سلوكه القمعي والوحشي أدى إلى تراكم الملفات التي تمنع حصول انفتاح دولي فعلي عليه. أبرزها يتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. والإفلات من العقاب مستحيل. 

رسالة أميركية
كذلك على المستوى السياسي، يصطدم نظام الأسد بموقف أميركي وغربي متصلّب بشأن الحل السياسي في سوريا. لعل أبلغ رسالة أتت على لسان المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، في مقابلة مع صحيفة "العربي الجديد" في 6 أيلول 2021. فهو استبعد أي تبدل جذري في سلوك واشنطن مع دمشق وأي تطبيع معها "ما لم يتم التوصل إلى حل وسط بشأن قرار مجلس الأمن رقم 2254 وتقليص الوجود الإيراني وتغيير سياسات الأسد، بشكل يضمن عودة اللاجئين ويعيد اندماج المعارضة في إدلب، وقوات سورية الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي".

التمسك بحل سياسي يستند نسبياً إلى القرار 2254، الصادر في 18 كانون الأول 2015، يعني أن الحد الأدنى المطلوب والمقبول أميركياً هو كناية عن تسوية تُنْصف القوى المعارضة للأسد، وانتخابات بإشراف أممي. المطلوب إذاً، إطلاق عملية سياسية جديدة، قد لا تنهي الأسد، ولا تتجاهل الحيثية الطائفية التي يتلطى خلفها، ولكنها تعزز وضعية وتمثيل بقية المكونات السورية في السلطة. وتوفر مناخاً آمناً لعودة اللاجئين السوريين. وهذه تنازلات يرفض الأسد تقديمها حتى الآن، مستقوياً بروسيا وإيران.

انفتاح ظرفي ومؤقت
إذاً، شروط التطبيع الدولي والغربي مع سوريا لم تنضج بعد. ومهما قدّم الغربيون من تنازلات تكتيكية في تعاطيهم مع نظام الأسد، لن يُقدِموا على أكثر من انفتاح ظرفي ومؤقت. وأي اجتماعات وعمليات تنسيق علنية (أو سرية) تحصل هذه الأيام بين حكومات إقليمية والنظام السوري، تبقى ضمن سقف محدد، أدنى من التطبيع غير المشروط مع دمشق. سقف تفرضه حاجات اقتصادية هنا، وضرورات أمنية هناك، فضلاً عن الحالات الطارئة الإنسانية التي تفرض منذ بداية الأزمة السورية تنسيقاً أممياً مع النظام.

مبالغة بشأن لبنان
وعليه، ثمة مبالغة في تصوير الضوء الأخضر الأميركي لنقل الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر الأراضي السورية، بوصفه انتصاراً نهائياً لنظام الأسد ومحور الممانعة. طبعاً، لا يمكن إنكار أن هؤلاء حققوا مكاسب، أقلها أن النظام السوري بات اليوم في وضعية المتحدث الذي يتم التفاوض معه بشأن بعض مجالات التعاون. ومن الممكن أن يستعيد هذا النظام دوراً سياسياً معززاً في لبنان. وأن يعيد الإمساك بمزيد من الأوراق البرلمانية اللبنانية. ويجوز التساؤل هنا عن احتمال وجود حسابات أميركية جديدة (قديمة) تجعل واشنطن تستسيغ أو تفضل إعادة تعزيز دور نظام الأسد في بيروت، اعتقاداً منها بأن من شأن ذلك الحد من التأثير الإيراني؟ كأن يصبح النظام السوري متحدثاً ثانياً إلى جانب النظام الإيراني خلال إدارة المباحثات بشأن الملف اللبناني؟ وهكذا تقوده حساباته الخاصة إلى تعامل مختلف عن التعامل الإيراني؟ أكثر "مرونة" أو أقل تعنتاً منه؟

مصير عمر البشير؟
بمعنى آخر، يمكن أن يتعايش اللبنانيون مجدداً مع مشهد سياسي يتسم بتعزيز نفوذ نظام الأسد. مع العلم بأن النفوذ السياسي السوري لم يضمحل يوماً رغم تراجعه أمام النفوذ الإيراني. لكن كل ذلك لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة عن تلك التي خلّفتها هدية ساركوزي لصالح نظام الأسد عام 2008. حينها، تصالحت السعودية معه. وعاد الحديث عن معادلة "سين - سين"، أي الإدارة السعودية-السورية المشتركة للملف اللبناني، بما يكرس الاستقرار الأمني والسياسي. وذهب سعد الحريري ووليد جنبلاط إلى دمشق عام 2010. لكن في المحصلة، عجز نظام الأسد عن توظيف مظاهر الانفتاح وعن تحويله إلى تطبيع دائم مع سوريا. أولاً بسبب ثقل النفوذ الإيراني الأمني والاقتصادي الذي كان قد تعزز في دمشق. وثانياً، بسبب عدم استعداده لتطبيق إصلاحات سياسية وإدارية واقتصادية، كانت ستنهي أو ستقلّص هيمنة المجموعة الأقلية، العائلية والأمنية، على السلطة في سوريا. وهذا ما أدى إلى انفجار الثورة الشعبية ضد النظام. فما الذي تغيّر، أو سيتغيّر، حتى لا يواجه بشار الأسد، عاجلاً أم آجلاً، مصيراً مشابهاً لعمر البشير في السودان؟


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق