التخطي إلى المحتوى

بقلم أنجوس ماكدويل

طرابلس (رويترز) – قدم تبادل مفاجئ لإطلاق النار بين فصائل في العاصمة الليبية هذا الشهر دليلا حيا على كيف أن المأزق السياسي يمكن أن يشعل القتال بين الجماعات المتناحرة وينهي عامين من السلام النسبي.

ويتعرض جزء كبير من ليبيا منذ سنوات لهيمنة القوات المسلحة التي تسيطر على الأرض وتتنافس على المناصب، بينما تعمل رسميًا كعناصر أمنية مدفوعة الأجر في الدولة، وظهر وجودها بشكل لافت خلال زيارة لرويترز مؤخرًا.

وفي طرابلس، أدى تصاعد التوتر بشأن المواجهة بين حكومة الوحدة التي تشكلت العام الماضي وحكومة منافسة يدعمها برلمان شرقي البلاد إلى تفاقم الخلافات السابقة في العاصمة بشأن وضع هذه الجماعات.

وعلى الرغم من إعلان جميع الأطراف عن رفضهم وعدم توقعهم لأي عودة إلى حرب كبرى، إلا أن جهود حل الأزمة تعثرت وهناك بوادر جديدة على تصعيد مسلح.

وأظهرت لقطات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع فصيلاً مناهضاً للحكومة في طرابلس يتحرك صوب المدينة من قاعدته في بلدة الزنتان الجبلية بقافلة كبيرة من الآليات العسكرية.

يمكن لأي اشتباكات مطولة بين مختلف الفصائل في طرابلس أن تتدهور إلى صراع أوسع يجذب القوات من جميع أنحاء ليبيا، في مرحلة جديدة من الحرب الأهلية سيكون فيها المدنيون أكثر المتضررين.

عندما بدأ إطلاق النار هذا الشهر في حديقة سوق الثلاثين بالقرب من وسط طرابلس التاريخي، كانت العائلات تستمتع بنسيم البحر البارد في ليلة نهاية الأسبوع بعد يوم صيفي حار.

نوال سالم، 42 سنة، ذهبت إلى هناك مع بناتها لأن انقطاع التيار الكهربائي جعلها غير قادرة على تشغيل التكييف في المنزل. لعبت الفتيات بدراجتهن وكانت نوال تقلب محتويات هاتفها عندما سمعت إطلاق النار.

وسط الفوضى، عندما أمسكت بأطفالها وهرعت إلى المنزل، كان الناس يصرخون ويسقطون على الأرض ورأت الأطفال المفقودين منفصلين عن والديهم.

قالت “كل ما أتذكره هو حمل بناتي بين ذراعي طوال الوقت حتى وصلنا إلى منزل أحد أقاربي وكنت أبكي كثيرًا، وكانت بناتي خائفة جدًا”.

* مواجهة

تم الإبلاغ عن إصابة أربعة أشخاص، ولكن في إشارة إلى أن مثل هذه الحوادث أصبحت عابرة – وربما طبيعية – لسكان المدينة، اكتظت الحديقة مرة أخرى في صباح اليوم التالي بالعائلات التي تمشي وشراء الآيس كريم من شاحنة.

ومع ذلك، هناك مؤشرات متزايدة على احتمال اشتباكات أوسع نطاقا، مما يعرض للخطر اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في عام 2022 بين الأطراف الرئيسية في الحرب الأهلية.

ورافق وقف إطلاق النار عملية سياسية كانت على وشك الانهيار. كان من المفترض أن تجري حكومة وحدة مؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة انتخابات في ديسمبر، لكن الخلاف حول القواعد التي تحكم الانتخابات منعها.

وبدلاً من ذلك، عيّن البرلمان والقوات الشرقية حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، لكن الدبيبة رفض التنحي ولم يتمكن باشاغا من دخول طرابلس.

يبدو أن الدبيبة لا يزال يحظى بدعم معظم القوات المسلحة الرئيسية في العاصمة، لكن البعض يدعم باشاغا.

وقال عماد الدين بديع من المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث “لأنه لا يوجد منفذ سياسي للنقاش ولا توجد عملية سياسية، فإن ذلك يجعل الاشتباكات أكثر احتمالا”.

وأضاف أن “وجود حكومتين يفاقم هذا التوتر”.

قال مسؤول كبير في الدولة الليبية، إن قادة الجماعات المسلحة استطاعوا تأمين رواتب حكومية لمقاتليهم والحصول على عقود حكومية مقابل الولاء لشخصيات سياسية على مدى السنوات العشر الماضية.

عندما حاول باشاغا دخول طرابلس الشهر الماضي، اندلعت اشتباكات بين الجماعات المتناحرة، مما أجبره على مغادرة المدينة.

لطالما تم دمج معظم الفصائل المسلحة الرئيسية في رواتب الدولة بأدوار رسمية تحت إشراف وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع، على الرغم من أنها مسؤولة أمام قادتها الأصليين بدلاً من الحكومة.

* اطلاق الرصاص

في متجر للزي الرسمي وسط طرابلس، تتدلى على الجدران مجموعة من الزي الرسمي من مختلف الألوان وأنماط التمويه، فضلاً عن معدات تكتيكية ولوحة تحمل شارات عدد من القوات العسكرية أو الأمنية، تُظهر العدد الكبير من الجماعات المسلحة.

وخلال رحلة استغرقت خمس دقائق على طريق رئيسي في طرابلس من سوق الثلاثاء في اليوم السابق لإطلاق النار، أحصت رويترز أكثر من 20 مركبة من 11 من قوات الأمن المختلفة، مما يدل على أنها تنتمي إلى الشرطة أو الجيش.

في الليل، تضاء ساحات المدينة بأضواء زرقاء وحمراء تومض على سيارات الأمن، التي تقوم بدوريات عند نقاط الوصول بينما يرتدي المقاتلون زي مجموعات أمنية مختلفة، ويحملون بنادق هجومية، وأحيانًا يرتدون أقنعة، ويستجوبون السائقين.

وبشكل دوري، تتحرك القوات في أنحاء المدينة في قافلة مسلحة من عشرات المركبات، فيما يقف مقاتلون يرتدون زيا عسكريا في مؤخرة شاحنات صغيرة محملة بمدافع رشاشة ثقيلة.

ينتظر خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) المتحالف مع البرلمان الذي عين باشاغا، للاستفادة من أي صراع بين الجماعات المسلحة في طرابلس.

يقدمه أنصار حفتر على أنه الحل للفوضى وغياب سيادة القانون التي خلقتها الجماعات المسلحة المتنافسة في غرب ليبيا.

ومع ذلك، فإن جيشه الوطني هو أيضًا تحالف من مختلف الفصائل المسلحة، وقد أبلغ فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا عن العديد من الانتهاكات المرتبطة به.

(إعداد مصطفى صالح ومحمد علي فرج للنشرة العربية – تحرير أحمد حسن)